ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
208
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
إلا أنه شعر بتلك المسرة المسروقة فأقام عليها حدّ القطع ، ورأى العيش فيها خفضا فأزاله بعامل الرفع . والمغالطة في هذا الكلام هي في ذكر الخفض والرفع ؛ فإن الخفض : هو سعة العيش ، والخفض : هو أحد العوامل النحوية ، والرفع : هو من قولنا : رفعت الشيء ، إذا أزلته ، والرفع : هو أحد العوامل النحوية أيضا ، وهذا من المغالطات الخفية . ومن ذلك ما كتبته في فصل أصف فيه الحمّى ، وكنت إذ ذاك بحصن سميساط ، وهو بلد من بلاد الأرمن ، فقلت : ومما أكره في حال المرض بهذه الأرض أنّ الحمّى خيّمت بها فاستقرّت ، ولم تقنع بأهلها حتى سرت إلى تربتها فترى وقد أخذتها النافض فاقشعرّت ، ولم يشكل أمرها إلا لأنها حمى أرمنية مستعجمة اللسان ، وقد تشتبه الأمراض وأهل بلادها في الأبان ، وإذا كانت الحمى كافرة لم تزل للمسلم حربا ، وشكاتها لا تسمى شكاة وإنما تسمى طعنا وضربا ، ولهذا صارت الأدوية في علاجها ليست بأدوية ، وأصبحت أيام نحرها في الناس غير مبتدأة بأيام تروية ، وليس موسمها في فصل معلوم بل كلّ فصول العام من مواسمها ، ولو كاتبتها نصيبين أو ميافارقين بكتاب لترجمته بعبدها وخادمها . والمغالطة هاهنا في قولي : « وأصبحت أيام نحرها في الناس غير مبتدأة بأيام تروية » والمراد بذلك أنها تقبل بغتة من غير تروّ : أي من غير تلبّث ، ويوم النحر : هو يوم عيد الأضحى ، وقبله يوم يسمّى يوم التروية ؛ فالمغالطة حصلت بين نحر الحمى للناس ونحر الضحايا ، إلا أن يوم النحر مبتدأ بيوم تروية ، ولا خفاء بما في هذه المغالطة من الحسن واللطافة . وأما القسم الآخر - وهو النقيض - فإنه أقل استعمالا من القسم الذي قبله ؛ لأنه لا يتهيأ استعماله كثيرا . فمن جملته ما ورد شعرا لبعضهم ، وهو قوله : وما أشياء تشريها بمال * فإن نفقت فأكسد ما تكون